الشيخ عبد الغني النابلسي
43
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
ثم يخرج ، لأنه جسم لطيف يدخل في جسم كثيف بينهما بعض المباينة ، وليس في اللّه تعالى جسمية لأن هذا الروح المذكور ليس جسما لطيفا ولا كثيفا ولا مناسبة بينه وبين الأجسام وهو حادث مخلوق ، واللّه تعالى ليس جسما ولا جوهرا ولا عرضا ولا يشبه هذا الروح المذكور ولا غيره ، ولكن المقصود من ذلك مجرد ضرب المثل للاعتبار فقط بأنه إذا كان هكذا في الحادث ففي القديم بالأولى ، وقد أومأ إلى ذلك قوله تعالى : فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ( 23 ) [ الذاريات : 23 ] بعد ذكر آية الرزق الحسي والمعنوي . فالرزق الحسي من السماء وهو معلوم والرزق المعنوي من السماء أيضا وهو رزق الأرواح وهو المعارف الإلهية والأول رزق الأجسام . ثم إذا علمت كون هذا الروح المذكور بالنسبة إلى الحق تعالى بمنزلة الهواء للمتنفس المتكلم على الوجه الخالي من التشبيه ، وعقلت هذا المثل الذي ضربه اللّه لك لا ضربته أنا لك ، غير أني كنت أمينا عليه فأديته إليك كأمثاله . قال تعالى : وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ ( 43 ) [ العنكبوت : 43 ] ، يعني لا يقدر أن يستخرج التنزيه الذي اشتملت عليه من التشبيه المفهوم من ظاهرها إلا العالمون باللّه تعالى ، وفيه إشارة إلى لزوم اتباع غير العالمين للعالمين الذين عقلوها ، فاعلم الآن أن الحق تعالى أول ظهور استيلائه ومن كونه متكلما على هذا الروح الأول المذكور من غير مماسة ولا مباينة كما هو مقرر في عقائد غير أهل الشهود مفصلا ، وأما أهل الشهود فلا يحتاجون إلى ذكره لوضوحه عندهم . قال تعالى : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 40 ) [ النحل : 40 ] . والقول هو الكلام فبالقول ظهر الشيء والشيء المراد في حضرة العلم الأزلي يعني معناه لا ذاته ، كما أن معنى الكلمة في علم المتكلم لا ذاتها ثم إنه تعالى جعل الحروف التي استخرجها من ذلك الروح الأعظم الذي هو بمنزلة النفس بالتحريك له تعالى كما ذكرنا على قسمين : القسم الأول : الألف وهي أصل الحروف كلها ، وهي بمنزلة اللوح المحفوظ الذي فيه كل شيء وهي الكتاب المبين وهي الرق المنشور ، ومخرجها الجوف وهو باطنية الحق تعالى يعني من اسمه الباطن . والقسم الثاني : باقي الحروف ، وأعلاها الواو المدية ، والياء المدية لمناسبتهما للألف من جهة خروجهما من الجوف ، فالواو هي العرش الجسماني ولهذا سكنت بعد رفع الياء حقيقة الملائكة الأربعة ولهذا سكنوا بعد خفض ما